Friday, May 25, 2012

الفصل والوصل


الفصل و الوصل


الوصل والفصل عند علماء المعاني هو العلم بمواضع العطف والاستئناف والتهدي إلى كيفية إيقاع حروف العطف في مواقعها، أو تركها عند عدم الحاجة إليها.

      و"الوصل" يعني عطف جملة على أخرى "بالواو" فقط من دون سائر حروف العطف الأخرى.ويقصد علماء المعاني "الفصل" ترك هذا العطف والاستئناف بين الجملتين.


v   الوصل عطف بعض الجمل على بعض والفصل تركه. وحق الجمل إذا ذكر بعضها بعد بعض أن تذكر بدون عطف لأن كل جملة كلام مستقل بالفائدة إلا أن أسلوب الكلام العربي غلب فيه أن يكون متصلا بعضه ببعض بمعمولية العوامل والأدوات أو بالإتباع أو بالعطف([1])


فلا تذكر جمل الكلام ولا كلماته تعدادا إلا في الواقع التي يقصد فيها التعداد نحو قوله(( فيها عين جارية فيها سرر مرفوعة)) أو في حكاية المحاورات نحو(( قالوا سلاما قال سلام)) وقولنا سئل فلان أجاب([2])


أو إملاء الحسبان نحو واحد اثنان أو قصد إظهار انفصال الجمل واستقلالها كقوله تعالى(( إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون. يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون)).

v    والبلاغة في الوصل أن تكون بالواو دون سائر العواطف، ويشترط في العطف بالواو وجود الجامع الحقيقي بين طرفي الاسناد، أو الجامع الذهني؛ فالحقيقي نحو: (يقرأ زيد ويقرأ عمرو) فإن القراءة والكتابة متوافقتان، وزيد وعمرو كذلك. والذهني نحو: (بخل خالد وكرم بكر) فإن المتضادّين كالبخل والكرم بينهما جامع ذهني، لانتقال الذهن من أحدهما إلى الآخر

v    ولا يجوزأن يقال: ( جاء محمد وذهبت الريح) لعدم الجامع بين محمد والريح، ولا: (قال علي وصاح معاوية) لعدم الجامع بين القول والصياح.

تعريفات الفصل و الوصل


1. الفصل هو ترك العطف

الوصل هو عطف مفرد على مفرد او جملة على جملة .


2.الفصل: الإتيان بالجملة الثانية بدون العطف.
الوصل: عطف جملة على اُخرى بالواو.

1.             للفصل: قوله تعالى: (ولاتستوي الحسنة ولا السيّئة ادفع بالّتي هي أحسن)
2.             للوصل: قوله تعالى: (يا أيُّها الذين آمنوا اتَّقوا الله وكونوا مع الصادقين)


مواقع الفصل

فعطف الجمل إما بالواو المقتضية لأصل التشريك في الحكم المتكلم فيه. وإما بحرف آخر يدل على معنى زائد على التشريك أو على ضد التشريك إذا وجد معنى ذلك الحرف نحو الفاء وحتى و أو وبل.

وهذا الأصل الذي أشرت إليه يعدل عنه لأحد أمرين: لمانع يمنع منه أو لشيء يغني عنه.
ثم شرط صحة العطف مطلقا في المفردات والجمل وبالواو وبغيرها وجود المناسبة التي تجمع الجملة المعطوفة والجملة المعطوفة عليها في تعقل العقول المنتظمة بحسب المتعارف ([3]) عند المتكلمين بتلك اللغة.

وهاته المناسبة لا تعدو التماثل أو التضاد أو القرب من أحدها نحو زيد يكتب ويشعر. (( والسماء رفعها)) إلى قوله(( والأرض وضعها للأنام)) ([4]) بخلاف نحو زيد يكتب وينام.ويعطي وينظم الشعر.

وخرجت من السوق وأبدع امرؤ القيس في شعره.وإن كان كل ذلك كلاما صادقا حتى كان العطف في المقام الذي لا توجد فيه المناسبة مؤذنا بمقصد كمقصد التشبيه في قول كعب ((أن ألاماني والأحلام تضليل)).

فإن الكلام على مواعيد سعاد وأمانيها ولا كلام على الأحلام فلما عطف الأحلام على الأماني علمنا أنه قصد تشبيه أمانيه الناشئة عن دعواها بالأحلام في اللذاذة وعدم التحقق.

وهذا وجه الاحتراز فيما مضى بقولي ((المنتظمة بحسب المتعارف)) وقد يكون التناسب موهوما ومجرد دعوى في المقامات الشعرية واللطائف كقوله:

ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها
شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر

وقد يكون التناسب غريباً نابعاً لتناسب شيئين آخرين كقوله تعالى: ((والنجم والشجر يسجدان)) فإن التناسب أوجده ما يأتي بعده من قوله ((والسماء رفعها)) وقوله ((والأرض وضعها)) لأن النجم من توابع السماء والشجر من توابع الأرض ثم يكفي في هذه المناسبة التقارن في الغرض المسوق له الكلام.

ولهذا كان العطف بالفاء وثم وحتى أوسع في هذه المناسبة المشروطة، لأن الترتب أو المهلة أو الغاية كلها مناسبات كافية لتصحيح العطف لأنها دالة على التقارن في الوجود.

وهذا التقارن مهيء للمناسبة ومسوغ للعطف لكنه يزداد حسناً إذا قوي التناسب ولذا كان أصل الفاء التفريع ما لم تبعد المناسبة، ألا ترى كيف حسن العطف في قول عمرو بن كلثوم:

نزلتم منزل الأضياف منا


فعجلنا القرى أن تشتمونا([5])


وكيف يقبح العطف بالفاء لو قلت جاء زيد فصفعوه ويزيد قبحاً لو قلت جاء زيد فنهق الحمار لبعد المناسبة([6]) وكيف يحسن أن تقول طلع الفجر فأذن المؤذن.

وقول ابن زمرك:

هبَّ النسيم على الرياض مع السحر


فاستيقظت في الدوح أجفان الزهر


ويكون دونه حسناً -طلع الفجر فصاح الديك- وكيف يقبح أن تقول طلع الفجر فاستيقظ زيد إذا لم يكن الحديث قبل ذلك على زيد.

إذا تحققت هذا فاعلم أنه يتعين الوصل إذا أريد تشريك الجملة المعطوفة للجملة المعطوف عليها في حكمها في الإعراب كعطف الجمل المعمولة لعامل واحد بعضها على بعض([7]) أو التشريك في حكمها في المعنى وإن لم يكن للمعطوف عليها محل من الإعراب.

والمراد من الحكم الكيفية الثابتة لمفهوم الجملة المعطوف عليها مثل حكم القصر في قوله تعالى: ((إنما أنت منذر ولكل قوم هاد)) فقد عطف جملة ((ولكل قوم هاد)) على جملة إنما أنت منذر لأن المقصود تشريكها في حكم القصر، إذ المقصود من الجملتين الرد على من اعتقد خلاف ذلك([8]) وليس للجملتين محل من الإعراب.

ويتعين الفصل إذا أريد التنبيه على أن الجملة الثانية منقطعة عن الأولى أي غير مشاركة لها لا في الحكم الإعرابي نحو قوله تعالى: ((قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون الله يستهزئ بهم)) لم تعطف جملة ((الله يستهزئ بهم)) لئلا يظن السامع إنها من قولهم، ولا في مجرد الحكم المعنوي حيث لم يكن إعراب نحو قوله تعالى:

((إنما أنت منذر ولكل قوم هاد * الله يعلم ما تحمل كل أنثى))

لم تعطف جملة الله يعلم لأنه لم يقصد دخولها في حكم القصر إذ لا قصد للرد على معتقد أن الله لا يعلم ما تحمل كل أنثى إذ لم يكن في المخاطبين من المشركين وأهل الكتاب من يعتقد ذلك، وكذا قولهم -مات فلان رحمه الله- فلو عطف -رحمه الله- لظن أن الجملة الدعائية أخبار عن فعل الله معه.

فالفصل في هاته الأمثلة كلها لأجل انقطاع الجملتين بعضهما عن بعض كما رأيت.
ويتعين الفضل أيضاً إذا كانت الجملة الثانية عين الأولى في المعنى أو في محصل الفائدة لأن العطف يقتضي المغايرة: فالتي هي عين الأولى في المعنى نحو قول الشاعر الذي لم يعرف:

أقول له راحل لا تقيمن عندنا


وإلا فكن في الجهر والسر مسلما


فإن معنى لا تقيمن هو ما يفيده معنى قوله ارحل، فكانت الجملة الثانية كبدل الاشتمال من الأولى([9]) والتي هي عين الأولى في محصل الفائدة مثل المؤكدة نحو ((ذلك الكتاب لا ريب فيه)) فجملة لا ريب فيه مؤكدة لمعنى ذلك الكتاب.

ومن أنواع الوصل عطف طائفة من الجمل على مجموع طائفة أخرى بحيث تعطف قصة على قصة أو غرض على غرض في الكلام فلا تلاحظ إلا المناسبة بين القصة والقصة والغرض والغرض لا بين أجزاء كل من القصتين حتى إذا وليت الجملة الأولى من القصة المعطوفة إحدى جمل القصة المعطوف عليها لا يتطلب وجه لتلك الموالاة لأنها موالاة عارضة، وهذا نحو عطف قوله تعالى: ((وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات)) إلخ، على قوله تعالى ((وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا)) لأن قوله -وإن كنتم في ريب- مسوق لبيان عقاب الكافرين وقوله -وبشر- مسوق لبيان ثواب المؤمنين، ونظيره من عطف المفردات قوله تعالى: ((هو الأول والآخر والظاهر والباطن)) فإنه لو قصد عطف الظاهر على الآخر لم يحسن وإنما القصد عطف وصفين متقابلين على وصفين متقابلين وكلها لموصوف واحد.

عطف الإنشاء على الخبر وعكسه منع بعض علماء العربية عطف الإنشاء على الخبر وعطف الخبر على الإنشاء والحق أن ذلك ليس بممنوع وهو كثير في الكلام البليغ وقد قال الله تعالى: ((واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له أواب وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب)) عطف - وهل أتاك - على - أخبار داوود -.

واعلم أنه قد يخالف الظاهر فيؤتى بالوصل في مقام الفصل وبعكسه لقصد دفع إيهام ينشأ عن ارتكاب مقتضى الظاهر كما جاء الفصل في قول الشاعر الذي لم يعرف:

وتظن سلمى أنني أبغي بها


بدلاً أراها في الضلال تهيم


كان الظاهر عطف جملة -أراها- لكنه فصلها لئلا يتوهم السامع أن ذلك ممات ظنه سلمى فالوصل سبب منع منه مانع.

وكما جاء الوصل في نحو قولهم ((لا وأيدك الله)) فإن الظاهر الفصل لأن الجملتين غير مشتركتين في الحكم([10]) ضرورة أن أحدهما خبر والأخرى إنشاء فقد وجد مانع الوصل ولكنه خلفه مقتض إذ لو فصل لتوهم الدعاء بنفي تأييده.

هذه معاقد أحوال الفصل والوصل وفي وجوه الاتصال والانفصال المرتب عليهما الوصل والفصل تفاصيل واعتبارات دقيقة يجب إرجاؤها لكتب مرتبة أرقى من هذه([11]).



مواضع الفصل:



1. ان يكون بين الجملتين كمال الاتصال .
-كمال الاتصال هو ان يكون بين الجملتين اتحاد تام او امتزاج معنوي.



2. ان يكون بين الجملتين كمال الانقطاع.
-كمال الانقطاع فهو ان يكون بين الجملتين تباين تام وذلك بان تختلفا خبراً وانشاءً. او بان لاتكون بينهما مناسبة ما.



3. ان يكون بين الجملتين شبه كمال الاتصال.
-شبه كمال الاتصال : هو ان تكون الجملة الثانية في محل جواب سؤال ناشىء عن الاولى.



4. ان يكون بين الجملتين شبه كمال الانقطاع.

-شبه كمال الانقطاع : هو ان يكون بين الجملتين مايمنع من العطف.


موارد الفصل

v           الأصل في الجمل المتناسقة المتتالية أن تعطف بالواو، تنظيماً للّفظ، لكن قد يعرض ما يوجب الفصل، وهي أمور:

1 ـ أن يكون بين الجملتين اتّحاد تامّ، حتى كأنهما شيء واحد، والشيء لا يعطف على نفسه، قال تعالى: (أمدكم بما تعلمون أمدّكم بأموال وبنين)

2 ـ أن تكون الجملة الثانية لرفع الإبهام في الجملة الأولى، قال تعالى:
(فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدُلّك على شجرة الخلد)

3 ـ أن تكون الجملة الثانية مؤكدة للأولى، قال تعالى: (وما هم بمؤمنين يخادعون الله)
وهذه الموارد الثلاثة تسمى لما يكون بين الجملتين فيها من الإتّحاد التام بـكمال الاتصال.

4 ـ أن يكون بين الجملتين اختلاف تامّ في الخبر والإنشاء أو اللفظ والمعنى، أو المعنى فقط، قال الشاعر: (وقال رائدهم: اُرسوا نُزاولها)

5ـ ألا يكون بين الجملتين مناسبة في المعنى ولا ارتباط، بل كل منهما مستقل، كقوله:

إنّما المرء بأصــغريه             كلّ امرىء رهن بما لديه

وهذان الموردان يسميان لما بين الجملتين من الاختلاف التامّ بـكمال الانقطاع.

6 ـ أن يكون بينهما شبه كمال الاتصال بأن تكون الجملة الثانية واقعة في جواب سؤال يفهم من الجملة الأولى، فتفصل عن الأولى كما يفصل الجواب عن السؤال، قال تعالى: (وما اُبرّىءُ نفسي إنَّ النفسَ لأمّارة بالسوء)


7 ـ أن يكون بينهما شبه كمال الانقطاع بأن تسبق الجملة جملتان، بينهما وبين الأولى مناسبة، ويفسد المعنى لو عطفت على الثانية، فيترك العطف دفعاً لتوهّم كونها معطوفة على الثانية، كقوله:

وتظنّ سلمى أنّني أبغي بها           بدلاً، أراها في الضلال تهيم


فـ(أراها) يفسد لو عطف على مظنون سلمى ولذا يترك العطف.

8 ـ أن تكون الجملتان متوسطتين بين الكمالين مع قيام المانع من العطف، بأن تكون بينهما رابطة قوية، ولكن منع من العطف مانع وهو عدم قصد التشريك في الحكم، قال تعالى: (وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنَّما نحن مستهزِءون الله يستهزىء بهم).
 فجملة (الله يستهزىء بهم) لا يصح عطفها على جملة (إنّا معكم) لاقتضاء العطف أنه من مقول المنافقين، والحال أنه دعاء عليهم من الله.كما أنه لا يصح عطفها على جملة (قالوا) لاقتضاء العطف مشاركتها لها في التقييد بالظرف، وأن استهزاء الله بهم مقيّد بحال خلوّهم إلى شياطينهم، والحال أن استهزاء الله غير مقيّد بهذه الحال، ولذا يلزم الفصل دون الوصل.


موارد الوصل
ويقع الوصل في ثلاثة مواضع:

1 ـ إذا اتّحدت الجملتان في الخبرية والإنشائية، لفظاً ومعنىً، أو معنى فقط، مع المناسبة بينهما، وعدم مقتضى الفصل. فالخبريتان نحو قوله تعالى: (إنّ الأبرار لفي نعيم وإنَّ الفجّار لفي جحيم).والإنشائيتان نحو قوله سبحانه: (واعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئا).والمختلفتان نحو قوله تعالى: (إنّي اُشهد الله واشهدوا أنّي بريء ممّا تُشرِكون).فالجملة الثانية وإن كانت إنشائية لفظاً، لكنها خبرية معنى.

2 ـ دفع توهّم غير المراد فإنه إذا اختلفت الجملتان خبراً وإنشاءً، ولكن كان الفصل موهم خلاف المراد وجب الوصل، كقولك في جواب من قال: (هل جاء زيد): (لا، وأصلحك الله). فإنك لو قلت: (لا أصلحك الله) توهّم الدعاء عليه، والحال أنك تريد الدعاء له.

3 ـ إذا كان للجملة الأولى محل من الإعراب، وقصد مشاركة الثانية لها، قال تعالى: (إنّ الذين كفروا ويصدّون عن سبيل الله) حيث قُصد اشتراك (يصدّون) لـ (كفروا) في جعله صلة.

هذا ولكل من الفصل والوصل مواطن تدعو إليها الحاجة ويقتضيها المقام ، وسنبدأُ لك بمواطن الفصل ...

الأمثلة

1.             قال أَبو الطيب:
وَمَا الدَّهْرُ إِلاَّ مِنْ رُوَاةِ قَصَائِدِي إِذَا قُلْتُ شِعْراً أَصْبَحَ الدَّهْرُ مُنْشِداً
·      تأَمل أَمثلة الطائفة الأُولى تجد بين الجملة الأُولى والثانية في كل مثال تآلفاً تامًّا ، فالجملة الثابتة في المثال الأَول ، وهى " إِذا قُلتُ شِعْراً أَصْبح الدَّهْرُ مُنشِداً " لمْ تجئْ إِلا توكيداً للأُولى ، وهى جملة " وما الدهرُ إِلا من رُواة قصائدِي " ، فإن معنى الجملتين واحد .

2.             وقال أَبو العلاء:
النَّاسُ لِلنَّاس مِنْ بَدْوٍ وَحَاضِرَة بَعْضٌ لِبَعْضٍ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرُوا خَدَمُ
·      والجملة الثانية في المثال الثاني " بعضٌ لبعض وإِن لم يشعرُوا خدمُ " ، ما جاءَت إِلا لإِيضاح الأُولى " الناسُ للناس من بدْوٍ وحاضرة " ، فهي بيان لها ، والجملة الثانية فى المثال الثالث جزء من معنى الأُولى ، لأَن تفصيل الآيات بعض من تدبير الأُمور ، فهي بدلٌ منها ، ولا شك أَنك لَحَظْتَ أَن الجملة الثانية مفصولة عن الأُولى في كل مثال من الأَمثلة الثلاثة ، ولا سر لهذا الفصل سوى ما بينهما من تمام التآلف وكمال الاتحاد ، ولذا يقال إن بين الجملتين كمال الاتصال.

3.             وقال آخر:
وَإِنَّمَا الْمَرْءُ بأَصْغَرَيْه كُلُّ امْريءٍ رَهْنٌ بمَا لَدَيْهِ
·      تأَمل مِثالَي الطائفة الثانية تجد الأَمر على العكس ، فإِن بين الجملة الأُولى والثانية في كل مثال منتهى التباين وغايةَ الابتعاد ، فإِنهما في المثال الرابع مختلفان خبراً وإِنشاءً . وهذا جلى واضح ، أَما في هذا المثال فلأَنه لا مناسبة بينهما مطلقاً إِذ لا رابطة في المعنى بين قوله : " وإِنما المرءُ بأَصغريه " وقوله : " كل امريءٍ رهْنٌ بما لديه " ، وهنا تجد الجملة الثانية في كل من المثالين مفصولة عن الأُولى ، ولا سر لذلك إِلا كمالُ التباين وشدةُ التباعد3، ويقال في هذا الموضع إن بين الجملتين كمال الانقطاع .


قواعد الوصل

1.  يَجب الْوَصْلُ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْن في ثَلاَثَة مَوَاضعَ:
·      إِذَا قُصِدَ إشْرَاكُهُمَا في الْحُكْم الإعْرابي .
·      إِذَا اتفَقَتَا خَبَراً أوْ إنشاءً وكانَتْ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَةٌ تَامة ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَبَبٌ يَقْتَضي الفْصلَ بَيْنَهُما .
·      إِذا اخْتَلَفَا خَبَراً وَإِنشاءً وَأَوْهَمَ الْفَصْلُ خِلاَف الْمَقْصُودِ .


1.  الْوَصْلُ عَطْفُ جُمْلةٍ عَلَى أخْرَى بالواو ، والفَصْلُ تَرْكُ هذا العطف ، ولكل مِنَ الفَصْل والوصْل مَوَاضِع خاصةٌ.

2.  يَجبُ الْفَصلُ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْن في ثَلاَثَةِ مَواضعَ:

·      أنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا اتحَادٌ تَامٌ ، وذلك بأنْ تَكونَ الْجمْلَةُ الثانيةُ تَوْكِيداً لِلْأولى ، أو بَيَاناً لها ، أو بَدَلاً مِنْهَا ، وَيُقَالُ حِينَئِذ إن بَيْنَ الجمْلَتَيْن كَمَالَ الاِتصَال .

·      أنْ يَكونَ بَيْنَهُمَا تَبَايُنٌ تَامٌ ، وذلكَ بأنْ تَخَتلفَا خَبَراً وَإنشَاءً ، أوْ بألا تَكونَ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَةٌ مَا ، وَيُقَالُ حِينَئِذ إن بَيْنَ الجمْلَتَيْن كَمَالَ الاِنْقِطَاع .

·      أنْ تَكونَ الثانَيةُ جَواباً عَنْ سُؤَالٍ يُفْهَمُ مِنَ الْأولَى ، وَيُقَالُ حِينَئِذٍ إن بَيْنَ الجمْلَتَيْن شِبْهَ كَمَال الاِتصَال .


مواضِعُ الْوَصْل

1.  ان يكون بين الجملتين كمال الانقطاع مع الايهام بان تكون احداهما خبرية والاخرى انشائية مثل : لا وايدك الله.

2.  ان تكون الجملتان متوسطتين بين الكمالين مع اتحادهما في المعنى خبراً وانشاءً.

3.  ان يقصد اشراك الثانية للاولى في حكم الاعراب حيث لامانع منه.   

v           قال أَبو العلاء المعرى: وحُبُّ العَيْشِ أعْبَدَ كُل حُرٍّ وَعَلَّمَ سَاغِباً أكْلَ المُرَار
·      تأَمل الجملتين " أَعْبَدَ كُل حُرٍّ " و " علَّمَ ساغباً أَكْلَ المُرار" في البيت الأَول ، تجد أَن للأُولى منهما موضعاً من الإِعراب لأَنها خبر للمبتدإ قبلها ، وأَن القائل أَراد إِشراك الثانية لها في هذا الحكم الإِعرابي. 

v           وقال أبو الطيب: وللِسِّرِّ مِنّي مَوْضعٌ لاَ يَنَالُهُ نَدِيمٌ وَلاَ يُفْضِي إِليْهِ شَراب
·      وتأَمل الجملتين : " لا يناله نديم " و " لا يُفضِي إِليه شَراب " في البيت الثاني ، تجد أَن للأُولى أَيضاً موضعاً من الإِعراب لأَنها صفة للنكرة فبلها ، وأَنه أُريد إِشراك الثانية لها في هذا الحكم ، وإِذا تأَملت الجملة الثانية في كل من البيتين وجدتها معطوفة على الجملة الأُولى موصولة بها ، وكذلك يجب الوصل بين كل جملتين جاءَنا على هذا النحو .

v                     وقال: يُشَمِّرُ لِلُّجّ عَنْ سَاقِهِ وَيَغْمُرُهُ الْمَوْجُ في السَّاحِل
·      أُنظر في البيت الثالث إلى الجملتين : " يُشمِّرُ للُّجِّ عن ساقه " و " يغمُرُه الموج في الساحل " تجدهما متحدتين خبراً متناسبتين في المعنى1 وليس هناك من سبب يقتضي الفصل ولذلك عطفت الثانية على الأُولى.
v           وقال بشارُ بن بُرد:
وأَدْنِ إِلى الْقُرْبَى المُقَرّبَ نَفْسَهُ ولاَ تُشْهِد الشورَى امْرَأَ غَيْرَ كاتِم
·      والمثال الرابع كذلك مكون من جملتين متحدتين إِنشاءً هما : " أَدْنِ " و " لا تشهد " وهما متناسبتان في المعنى وليس هناك من سبب يقتضي الفصل ولذلك عطفت الثانية على الأُولى , وهكذا يجب الوصل بين كل جملتين اتحدتا خبراً أَو إِنشاءً وتناسبتا في المعنى ولم يكن هناك ما يقتضي الفصل بينهما.

v           لا وبارك اللهُ فِيك:
(تجيب بذلك من قال: هل لك حاجة أُساعدك في قضائها)
·      انظر في المثال الخامس إِلى الجملتين : " لا " و " بارك الله فيك " تجد أَن الأُولى خبرية2، والثانية إِنشائية 3، وأَنك لو فصلت فقلت : " لا بارك الله فيك " لتوهم السامع أَنك تدعو عليه في حين أَنك تقصد الدعاءَ له ، ولذلك وحب العدول عن الفصل إلى الوصل.

v           لا ولطَفَ اللهُ بهِ: (تجيب بذلك من قال: هل أَبلَّ أَخوك من علته ؟)
·      وكذلك الحال في هذه الجملتين ، وفي كل جملتين اختلفتا خبراً وإِنشاءً وكان ترك العطف بينهما يوهم خلاف المقصود .



([1]) فإن الكلمات المجتمعة إنما يجمعها معنى عامل نحو كتب زيد الكتاب وكسوت زيدا حبة وأخبرتك زيدا قائما وكذلك بالأدوات نحو مررت بزيد، فإن اننهت قوة العامل أي أخذ من المعمولات ما يقتضيه معناه توصل إلى غير ذلك بالإتباع من نعت أو بيان أو بدل وهذه التوابع هي في الحقيقة عين المتبوع في المعنى أما طريق توصل العوامل لما هو أجنبي عن معمولاتها فذلك منحصر في طريق عطف النسق فإنك إذا أردت أن تعدي كسا مثلا لأكثر من مفعولين لم تجد مسلكا لذلك إلا العطف فتقول كسوتك جبة وبرنسا وقميصا فلا جرم كان عطف النسق هو الذي يجمع الكلمات الأجنبي بعضها عن بعض في لمعنى والبعيد بعضها عن أن يصل إليه عمل العامل. ومثل ما قيل في المفردات يقال في الجمل بل الجمل للعطف أحوج لأن أكثرها أجنبي بعضه عن بعض إذ الأصل في الجمل الاستقلال ولذلك لقب عطفها بالوصل لأن له مزيد أثر في الربط لشدة تباعد الجملتين. ثم أعلم أن مسائل الفصل والوصل الغرض منها معرفة أساليب العرب في ربط جمل الكلام حتى يجيء المتكلم بكلام لا يوقع فهم السامع في لبس. ولذلك ملن حق مسائل هذا الباب أن تكون أعلق بعلم النحو إذ ليس فيها ما يفيد خصوصيات بلاغية غير أن الذي دعا علماء البلاغة إلى ذكرها في هذا الفن أمور ثلاثة: أحدها أن النحاة تكلموا على أحكام العطف ولم يتكلموا على أحكام ترك العطف. ثانيها أنهم تركوا كثيرا من مسائل المناسبات. ثالثها أنه لما كان العطف وتركه قد يلاحظ فيهما أمور ادعائية في الشعر والخطابة ناسب أن يذكر مع خصوصيات علم المعاني.
([2]) ومنه قول الشاعر:

قال لي كيف أنت قلت عليل


سهر دائم وحزن طويل


([3]) سيأتي بعيد هذا ما بين المراد من قولي(( المنتظمة بحسب المتعارف)).
([4]) فقوله- زيد يكتب الخ- مثال للتماثل.وقوله- يعطي ويمنع- مثال للنضاد وقوله والسماء رفعها))الآية مثال لشبه التضاد.ويجمع أمثلة القرب من التماثل والتضاد قوله تعلى((أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت))الآية 
([5]) هذا تهكم أي نزلتم بأرضنا لحربنا فبادرنا بقتالكم، فجعل نزولهم ضيافة وقتاله إياهم قرى، فلما عبر عن المعنيين المتناسبين في الحقيقة بمعنيين مجازيين متناسبين وكانا مترتبين في الوجود حسن العطف بالفاء واو غير أحدهما لقبح العطف، فلو قال نزلتم إلخ فقاتلناكم أن تشتمونا لكان ترتباً غريبا قبيحا، ولو قال نزلتم منزل الأعداء * منا فعجلنا القرى إلخ لكان قبيحاً كذلك.
([6]) لأن الصفع لا يترقب حصوله إثر المجيء لكنه لتعلقه بزيد كان فيه رائجة مناسبة فكان قبحه أضعف من قبح المثال الذي بعده.
([7]) شرط هذا العامل أن يفيد حكماً معتبراً فلذلك تعتبر الجمل المحكية بالقول كأنها لم يجمعها عامل إعرابي فلا يعطف الثانية منها على الأولى وإنما تأخذ حكم الجمل حين نطق بها قائلها، إلا إذا أريد التنبيه على تكرر القول نحو ((وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)) إذا جعلنا الواو للعطف في المقول.
([8]) أي الذين اعتقدوه أنه غير منذر وكذبوه والذين اعتقدوا أنه لا رسول إلا الرسل الذي مضوا أو اعتقدوا إنه لا رسول بعد موسى عليه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
([9]) وكذلك قوله تعالى: ((فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم)) الآية فإن جملة قال -يا آدم- بيان للوسوسة فكانت كعطف البيان فلم تحتج للربط.
([10]) حكى الأدباء أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه مر برجل في يده ثوب فقال له أبو بكر: أتبيع هذا الثوب؟ قال لا رحمك الله، فقال أبو بكر ((قد قومت ألسنتكم لو تستقيمون لا تقل هكذا قل رحمك الله لا، وقيل قال له قل لا ورحمك الله)).
([11]) مسائل الفصل والوصل من أصعب مسائل فن البلاغة لكثرة ما فيها من التفاصيل التي يعسر ضبطها بقاعدة تجمعها ولقد فرعها السكاكي تفريعاً زادها صعوبة، وأنا خالفت طريقته وطريقة التلخيص في هذه الرسالة فابتدأت الباب بما يفتح بصائر المتعلمين في تمييز خليطها واقتضبت في خلال ذلك من مهم كلام القوم ما يمكن بأيدي الطلبة مفاتيح معاقدها وضربت صفحاً عما عدا ذلك تاركاً إياه إلى أن تتهيأ الأفهام بعد هذه المرتبة.

 
Design by @NJANGD@HAR | MOHD DAHARUDIN BIN HAJI DAUD | KULLIYYAH BAHASA ARAB INSANIAH